Masuk

الوداعة وقوة الشخصية

بدأت معكم في مقالي السابق موضوعا عن الوداعة‏,‏ فتحدثت عن علاقة الوداعة بدماثة الخلق‏,‏ فشرحت بعضا من شخصية الإنسان الوديع ورقته وهدوئه ولطفه واحتماله‏..‏ ولكي نستكمل هذا الموضوع‏,‏ علينا أن نتحدث عن نقطة أخري مهمة وهي علاقة الوداعة بقوة الشخصية‏,‏ وبالذات بفضائل أخري مثل الشجاعة والشهامة والنخوة والجرأة‏,‏ وهل كل تلك الفضائل تتعارض مع الوداعة في رقتها وهدوئها؟‏..‏

**‏ إن الفضائل لايناقض بعضها بعضا‏,‏ فهي تتكامل ولاتتعارض‏,‏ وينبغي أن يفهم الناس معني الوداعة في حكمة‏,‏ فالمعروف أن الطيبة هي الطبع السائد عند الوديع‏,‏ ولكن عندما يدعوه الموقف إلي الشهامة أو الشجاعة أو الشهادة للحق‏,‏ فلا يجوز أن يمتنع عن ذلك بحجة التمسك بالوداعة‏,‏ أما ان امتنع عن الموقف الشجاع‏,‏ فلا تكون هذه وداعة حقيقية‏,‏ إنما تصير رخاوة في الطبع‏,‏ وعدم فهم للوداعة‏,‏ بل عدم فهم للحياة الروحانية بصفة عامة‏.‏

فالروحانية ليست تمسكا بفضيلة واحدة تلغي معها باقي الفضائل‏,‏ إنما هي في ممارسة كل الفضائل معا بطريقة متجانسة ومتعاونة‏.‏

إن الشخص الوديع الطيب الهادئ‏,‏ ليس هو جثة هامدة لا تتحرك‏,‏ بل إنه ـ إذا دعته الضرورة ـ يتحرك بقوة نحو الخير ونحو الغير‏,‏ ولايكون هذا ضد الوداعة في شيء‏,‏ إنما عدم تحركه يكون نوعا من الخمول‏,‏ ويلام عليه‏..‏ وربما يصبح هزأة في نظر الناس‏..‏

**‏ فالوديع يمكن أن يدافع عن المظلوم‏,‏ وان ينقذ المحتاج‏,‏ هل إذا رأي شخصا في خطر‏,‏ معرضا للقتل من بعض الأشرار‏,‏ ألا يهم بإنقاذه‏,‏ أم يحجم عن ذلك مدعيا ان الوداعة لاتتدخل في شئون الغير؟‏!‏ وهل إن سمع فتاة تصرخ وهي تستغيث بسبب أشخاص يحاولون الاعتداء عليها‏,‏ أتراه يبعد عن انقاذها‏,‏ أم هو بكل شهامة ينقذها‏,‏ ولو أدي به الأمر أن يدخل في عراك أو شجار‏..‏ فهكذا يكون موقف الرجولة والفروسية‏.‏ وهو لايتعارض مع الوداعة في شيء‏..‏

**‏ إن الوديع لايكون سلبيا باستمرار‏,‏ إنما يتخذ الوضع الإيجابي حينما تدفعه الضرورة الي ذلك‏,‏ فهو يشهد للحق ولا يمتنع‏,‏ كما يتدخل لحل مشاكل الغير حين يكون في طاقة يده أن يفعل ذلك‏,‏ ويكون حله للمشاكل في هدوء يتفق مع طبيعته‏,‏ وفي حدود الواجب عليه‏.‏

**‏ من خصال الوديع ألايتكلم كثيرا‏,‏ ولكنه في ذلك يضع أمامه قول سليمان الحكيم لكل شيء تحت السماوات وقت‏,‏ للكلام وقت‏,‏ وللسكوت وقت‏..‏ لذلك فهو يتكلم حين يحسن الكلام‏,‏ ويصمت حين يحسن الصمت‏.‏ وإذا تكلم يكون لكلامه تأثيره وقوته‏.‏ وإن صمت يكون في صمته أيضا قوة‏..‏ ولكنه لايصمت حين تدعوه الضرورة الي الكلام‏,‏ شاعرا بأننا أحيانا ندان علي صمتنا‏..‏

**‏ هنا ونسأل‏:‏ هل يمكن للانسان الوديع الطيب القلب أن ينتهر ويوبخ ويؤدب؟ نقول‏:‏ إن كان ذلك من واجبه‏,‏ فلابد أن يفعل ذلك‏.‏ فالأب له أن يؤدب أولاده‏,‏ وإن لم يؤدبهم يجازه الله علي تقصيره‏.‏ وكذلك المدرس بالنسبة الي مرءوسية‏,‏ ورئيس أي عمل بالنسبة إلي مرءوسية‏.‏ فكل هؤلاء يمكنهم أن ينتهروا ويوبخوا المخطئين‏,‏ حفظا علي سلامة سير الأمور‏,‏ ولايكون ذلك ضد الوداعة‏..‏ علي أن يكون التوبيخ في غير قسوة‏,‏ وبأسلوب عفيف لاتتدني فيه الألفاظ عن المستوي اللائق‏.‏ والمعروف ان الأنبياء والرسل كانوا يوبخون البعيدين عن طريق الرب لكي يقودوهم الي التوبة‏,‏ وما كان يتهمهم أحد بأنهم ضد الوداعة‏.‏

**‏ في موضوع الوداعة إذن‏,‏ ينبغي أن نفرق بين الأشخاص الذين هم في وضع المسئولية‏,‏ وبين الذين لامسئولية لهم‏.‏

فالذي هو في منصب الإدارة والمسئولية‏,‏ له أن يأمر وينهي‏,‏ بكل حزم لكي تستقيم أمور ادارته‏,‏ ولكن ليس له أن يأمر في تسلط أو غطرسة‏,‏ فهذا لا يتفق مع الوداعة‏,‏ وهكذا يحتفظ بين الوداعة والسلطة‏,‏ ولكن الانسان الوديع العادي الذي لامسئولية له‏,‏ فإنه ينأي عن الأمر والنهي واستخدام السلطة‏.‏

*‏ كذلك فالشخص المسئول ينبغي ان تكون له هيبته واحترامه‏,‏ لا في كبرياء‏,‏ إنما لتوقير منصبه وشخصه أيضا‏.‏

ويمكن ان يجمع بين الوداعة والهيبة‏,‏ فهو لايكلم الناس من فوق في تعال بل في بساطة وحسن تعامل واحترام لمشاعرهم‏,‏ دون الإخلال بوقار رئاسته‏,‏ وهكذا فإن الشخص المسئول يمكن ان يكون وديعا‏,‏ لا وضيعا‏.‏ وكبيرا لامتكبرا‏..‏

**‏ هل يمكن إذن للإنسان الوديع ان يغضب وأن يحتج دون أن يتعارض ذلك مع وداعته‏.‏

نعم‏,‏ يمكن ان يغضب‏,‏ ولكن في غير نرفزة‏(‏ عصبية‏),‏ لأن النرفزة هي ضعف في الأعصاب لايليق بالوداعة‏,‏ إنما الوديع في غضبه يعبر عن عدم رضاه‏,‏ ويعبر عن ذلك في حزم وفي هدوء‏,‏ دون صخب أو ضوضاء‏..‏ وهو في غضبه يعمل علي تصحيح الأخطاء‏.‏

وله أيضا أن يحتج‏,‏ ولكن في أدب وبأسلوب يليق بوداعته‏.‏ واحتجاجه يكون تعبيرا عن عدم رضاه‏.‏

**‏ إن الانسان الوديع له إنسانيته الكاملة‏,‏ وله حقوقه وعليه واجبات‏.‏ وإن كانت الطيبة هي الصفة السائدة في شخصيته‏,‏ إلا أنها لاتلغي باقي صفات الشخصية من الشجاعة والشهامة والجرأة والشهادة للحق‏,‏ كما ان للوديع حماسة قد تظهر في حينها‏,‏ وإرادة تحب أن تعمل‏,‏ والطيبة عنده لاتعني السذاجة‏,‏ وإنما هي دائما تمتزج بالحكمة‏,‏ وتسلك بالاسلوب الرصين في هدوء وبعد عن الضجيج‏.‏

**‏ فالوديع لايهين أحدا‏,‏ وفي نفس الوقت لايعرض ذاته للمهانة‏,‏ وهو لايرد علي الإساءة بالإساءة‏,‏ وأيضا يبعد عن المسيئين ويتحاشي الخلطة بهم‏.‏ وهو يحترم الناس‏,‏ ويتصرف بما يدعوهم الي احترامه‏..‏ هو في مستوي مرتفع عن الخطأ‏,‏ فبقدر إمكانه لايقع في خطأ‏.‏ أما ان اخطأ اليه احد‏,‏ فذاك يبكته ضميره ويبكته الآخرون‏.‏

**‏ لهذا كله لا نتناول الوداعة بأسلوب أنصاف الحقائق‏,‏ بل نعرضها بحقيقتها الكاملة‏,‏ سواء من جهة دماثة الخلق‏,‏ أو من جهة قوة الشخصية أيضا‏,‏ وبهذا تتضح صورتها الحقيقية‏.‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

Terakhir diperbarui pada Minggu, 10 April 2011 11:25

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.