Masuk

فضيلة ضبط النفس

يقول سليمان الحكيم مالك نفسه خير ممن يملك مدينة فمن ذا الذي يملك نفسه‏.‏ إنه الذي يستطيع أن يراقب نفسه ويحكمها‏..‏ ولا شك أن ضبط النفس يشمل عناصر كثيرة منها ضبط اللسان‏,‏ وضبط الفكر‏,‏ وضبط الحواس‏,‏ وضبط الفم من جهة الأكل‏,‏ وضبط الرغبات والشهوات‏,‏ وضبط الأعصاب في حالة الغضب‏,‏ وضبط باقي التصرفات‏.‏

والذي لا يستطيع أنه يضبط نفسه‏,‏ يحتاج الي من يضبطه‏.‏ وربما يعرض نفسه لمن يعاقبه‏.‏

ضبط اللسان يقول الحكيم كثرة الكلام لا تخلو من معصية‏.‏ أما الضابط شفتيه فما قل‏.‏ وقال آخر كثيرا ما تكلمت فندمت وأما عن سكوتي فما ندمت قط‏.‏

والذي يضبط لسانه ينجو من خطايا عديدة‏:‏ فلا يقع في إهانة الآخرين بالشتيمة أو بالتهكم القاسي‏,‏ أو التهديد‏,‏ أو التعالي عليهم‏..‏ ولا يقع في الكذب ولا المبالغة‏,‏ ولا التجديف والا القسم الباطل‏,‏ ولا في كلام المجون‏,‏ ولا في الثرثرة‏.‏ ولا في الافتخار والتباهي والبر الذاتي‏,‏ ولا في مسك سيرة الناس‏,‏ ولا في الغيبة‏,‏ ولا في الوقيعة‏.‏ ولا في التملق والرياء‏,‏ وخداع الآخرين‏,‏ مع جمهرة اخري من الاخطاء‏..‏

وما أعمق عبارة اذا سكت الجاهل‏,‏ يحسب حكيما إن الكلمة الخاطئة التي تقولها تحسب عليك‏,‏ مهما اعتذرت عنها‏..‏ فما دمت قد لفظتها ووصلت الي آذان الناس والي اذهانهم ومشاعرهم‏,‏ لم تعد ملكا لك وحدك‏,‏ بل أصبحت ملكا لغيرك‏:‏ يحللها ويحكم عليها‏..‏ بينما كنت أنت الذي تحكم عليها قبل أن تقولها‏,‏ فأصبحت هي التي تحكم عليك‏,‏ لأنك بكلامك تدان‏..‏ وضبط الشفتين له فوائد كثيرة‏:‏ منها أن الانسان يعطي نفسه فرصة للتروي والتفكير قبل أن يتكلم‏,‏ ويأخذ أيضا فرصة لانتقاء الألفاظ واختيار الكلمة المناسبة‏,‏ وحساب ردود الفعل لكل كلمة يقولها‏..‏ وما أجمل قول الشيخ الروماني سكت لسانك لكي يتكلم قلبك‏.‏ وخذها نصيحة‏:‏ ليس كل ما تسمعه‏,‏ تردده علي آذان غيرك‏.‏ وإلا فإنك تجلب لهم أفكارهم في غني عنها‏.‏ وأخطر من ذلك انك تكتب ما كنت تقول‏.‏ فإن ما تكتبه يعد وثيقة عليك‏..‏

ضبط الفكر هو أن يحرس الانسان أفكاره‏,‏ ولا يقبل كل فكر يرد الي ذهنه‏.‏ ويكون حريصا علي أن تكون أفكاره نقية طاهرة وإن وصل اليه فكر خاطيء‏,‏ يحذر من التمادي فيه والتعامل معه‏,‏ وإنما يطرده بسرعة لانه يسيطر عليه ويتحول الي مشاعر في قلبه‏..‏ إذن كن حذرا يا أخي من أفكار الغضب والانتقام والشهوة‏,‏ ومن أفكار الحسد والغيرة والحقد‏,‏ ومن أفكار الكبرياء والافتخار وتجميد الذات ومن كل أفكار الشر والباطل وكل فكر لا يمجد الله وإن لم تقدر علي ذلك‏,‏ تذكر المثل الذي يقول إن كنت لا تستطيع أن تمنع الطير من أن يحوم حول رأسك‏,‏ فعلي الأقل لا تجعله يعيش في شعرك‏.‏ لذلك لا تستبق في داخلك فكرا خاطئا‏.‏ وحاول أن تشغل ذهنك باستمرار بأفكار نافعة‏,‏ حتي إن حاربك الشيطان بفكر‏,‏ لا يجدك متفرغا له‏.‏ وهناك وسيلة أخري لحفظ الفكر وهي ضبط الحواس‏.‏

ضبط الحواس الحواس هي أبواب الفكر‏,‏ فاحرس هذه الأبواب‏.‏ اضبط السمع والنظر واللمس‏,‏ حتي لا تدخل اليك فكرا خاطئا‏.‏ ولتكن حواسك طاهرة وما يحمل الي حواسك بدون إرادتك‏,‏ لا تفكر فيه‏,‏ ولا تعد اليه بارادتك فمثلا قد تكون النظرة الأولي مصادفة وغير مقصودة‏,‏ ولكن معاودة النظر تكون بلاشك بإرادتك‏,‏ وتحاسب عليها إن كانت تجلب اليك فكرا رديئا‏.‏ واعرف أن حواسك ليست فقط تجلب اليك أفكارا‏,‏ وإنما أيضا قد تترتب في عقلك الباطن‏,‏ وتتحول الي أحلام وظنون‏..‏ اذن فضبط الحواس يساعد علي نقاوة الأفكار‏,‏ ونقاوة الأحلام والظنون‏.‏ وهو يساعد كذلك علي نقاوة المشاعر‏..‏

ضبط المشاعر إن وجدت شعورا خاطئا قد زحف الي قلبك‏,‏ فلا تتجاوب معه‏,‏ بل حاول أن تتخلص منه بسرعة قبل أن يرسخ فيك وباستمرار احتفظ بنقاوة قلبك‏.‏ ولا تستسلم لأية شهوة أو رغبة خاطئة‏,‏ بل قاومها‏..‏ وإن دخل الشعور الرديء الي قلبك فلا تجعل الأمر يتطور معك الي ما هو أسوأ‏,‏ أو يؤثر علي ارادتك ويتحول الي عمل‏..‏ وإن تدرجت الي مرحلة العمل‏,‏ فاضبط نفسك ولا تجعل العمل الخاطيء يتحول الي عادة ويسيطر عليك ولا تسمح أن تكون مشاعرك حرة طليقة بلا قيد ولا ضبط‏,‏ وإنما اضبط نفسك من جهة استخدام الحرية ولتكن حريتك منضبطة‏.‏ لتكن حرية طاهرة‏,‏ لا تفعل فيها ما لا يليق ولتكن حرية مسالمة وعاقلة‏,‏ لا تتعدي فيها علي حريات الغير‏,‏ ولا علي حقوق الغير‏,‏ ولا علي النظام العام أو القانون‏..‏ والحرية الحقيقية هي أن يتحرر قلبك أولا من كل خطأ وحينئذ يمكنك أن تستخدم حريتك الخارجية في حكمة وسلام‏.‏

ضبط الأعصاب الانسان القوي يستطيع أن يضبط أعصابه‏,‏ وبخاصة في حالة الاثارة وتحريك الغضب‏.‏ وهكذا يضبط نفسه من حرية الاندفاع والتهديد‏,‏ ومن جهة اتخاذ أي قرار سريع وهو في حالة انفعال‏..‏ وإن وجد نفسه منفعلا‏,‏ يحرص علي أن يضبط لسانه‏,‏ وبقدر إمكانه يضبط ملامحه أيضا‏,‏ ويضبط حركاته‏.‏ ولا يسمح لنفسه أن لا يخطيء في حق غيره مهما أخطأ ذلك الغير في حقه‏.‏ لأن الخطأ لا يجوز معالجته بالخطأ‏.‏

الضبط الخارجي الانسان الذي لا يضبط نفسه بنفسه‏,‏ قد يرغم علي الانضباط من الخارج‏,‏ بغير إرادته‏..‏ كابن لا ينضبط من تلقاء ذاته‏,‏ فيضبطه التأديب وتربية والديه له أو أي انسان يرغمه علي الانضباط‏:‏

القانون والعرف والعقوبة أو انسان يضطر الي الانضباط عن طريق الخوف‏,‏ أو بدافع الخجل من الناس‏,‏ أو خشية الانكشاف أو الفضيحة‏.‏ أو لص يضطر الي الانضباط مؤقتا بسبب يقظة الحراس أو شخص لا يضبطه نقاء قلبه‏,‏ إنما وجود موانع تعوقه‏,‏ أو عدم قدرة منه‏,‏ أو أن الفرصة غير سانحة‏,‏ أو لمقاومة آخرين له‏..‏ وكلها أسباب غير روحية‏,‏ ولا تنبع من داخله‏.‏ أما الشخص الروحي فينضبط من الداخل بارادته‏,‏ حبا منه للخير‏,‏ وحرصا منه علي إطاعة الله‏,‏ وتقويما منه لارادته الخاصة‏..‏ وانضباطه الداخلي ـ في قلبه وفكره ـ يساعده علي الانضباط من الخارج أيضا‏.‏ ويكون انضباطه الخارجي تعبيرا عن داخله أيضا‏..‏ علي أنه باستمرارية الانضباط الخارجي‏,‏ سواء كان الانسان مرغما عليه من الخارج‏,‏ أو أنه يغصب نفسه علي ذلك‏,‏ فبهذا الاستمرار يتعود الانسان أن يكون منضبطا‏..‏

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.