Masuk

في رحاء سورة الحجر.. الخلق المنظور والخلق المستور

د. يوسف القرضاوي

يقول تعالى .. بسم الله الرحمن الرحيم

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ* وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحجر:44-26].

الخلق المنظور والخلق المستور:

يريد الله سبحانه أن يعرِّفنا بقصَّة الإنسانيَّة منذ بدء هذه الخليقة البشريَّة، فقال عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ}، يذكر لنا قصَّة هذين الخَلقَيْن من المُكلَّفين، الخلق المنظور والخلق المستور.

الخلق المنظور: هم البشر بنو آدم. والخلق المستور: هم الجنُّ أو الجانّ.

كلمة جنَّ يعنى استتر: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} [الأنعام:76]، أي: استتر في ظلمة الليل، فالجنُّ هم الخلق المستورون: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:7]، خلق مُغيَّبون عنَّا، الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وخلق الجان.

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}

الإنسان المذكور في هذه القصَّة هو آدمُ عليه السلام:

لم يُذكَر هنا اسم آدم في هذه القصَّة، ولكنَّ القصَّة كلَّها معروفة أنها لآدم، وقد ذُكرت هذه القصة من قبل في سورة البقرة، وذُكرت من قبل في سورة الأعراف، وذُكرت باسم آدم علانيَّة وصراحة، وهنا لم يذكر اسم آدم، ومن المعلوم أنَّ الإنسان الأول هو آدم عليه السلام ، هو الإنسان، وهو البشر.

لا فرق بين الإنسان والبشر:

بعض إخواننا الذين تحدَّثوا في هذه القضايا قالوا: الإنسان شيء والبشر شيء . ولكن القرآن لم يفرِّق بين الإنسان والبشر في الآيات التالية يقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، وهنا يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر:28]، فالإنسان هو البشر.

الإنسان مخلوقٌ من الأرض:

{مِنْ صَلْصَالٍ}، طين يابس، يُسمع له صَلْصَلة إذا نُقر، {مِنْ حَمَإٍ}، طين أسود، {مَسْنُونٍ} ، متغيّر، أي: تغيَّرت رائحته بعد زمن فتخمَّر، فالمادة التي خُلق منها الإنسان من الأرض، فالإنسان خُلق من الأرض، ويعودُ إلى الأرض.

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، فالإنسان مخلوق من جنس الأرض، من مَعَادنها وأملاحها، لذلك يقولون: إذا تحلَّل جسم الإنسان في القبر، تحوَّل إلى حَفْنةٍ من تراب، خُلِقنا من التراب، ونعود إلى التراب.

التوفيق بين الآيات التي ذكرت خلق آدم من تراب ومن طين ومن صلصال:

القرآن الكريم أحيانًا يقول: إنَّ آدم خلق من تراب: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59].

وأحيانًا يقول: من طين، كما في سورة ص: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص:71].

وهنا قال: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، هل هناك تعارض؟

ليس هناك تعارض، فالتراب إذا نزل عليه الماء أصبح طينًا، وإذا يبِس هذا الطين يصبح صَلْصالًا، وإذا تغيَّر وأنْتِنَ ريحه يُصبح حمأً، فآدمُ مرَّت عليه هذه الأحوال كلُّها، ولا مانع من ذلك، ولكن كلُّ الذي يهمُّنا أنه مخلوقٌ من جنس هذه الأرض.

الإنسان مخلوق ضعيف:

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، هذا الإنسان مخلوقٌ، وليس إلهًا كما يريد بعض الفلاسفة الماديين، يُؤلِّهون الإنسان، وبعضهم يقول: (الإنسان يقوم وحده) في غير حاجة إلى إله. ورَدَّ علَى هذا الرجل الملحد أحدُ العلماء الغربيين (كريسى موريسون) في كتاب سمَّاه (الإنسان لا يقوم وحده)، لا يستطيع الإنسان أن يقوم وَحْدَه، وتُرْجِم هذا الكتاب إلى العربية، تحت عنوان: (العلم يدعو إلى الإيمان) .

هذا يدلُّنا على أنَّ هذا الإنسان مخلوق، خَلَقه خالق، وأنشأه مُنْشأ، لم يخلق نفسه، والله تعالى يقول: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [القمر:35، 36].

قانون العِلِّيَّة:

هل الإنسان خُلق من غير شيء؟ مستحيل هذا؛ لأنَّ هناك قانون فطريٌّ وعقليٌّ، يُجْمع عليه كلُّ الفلاسفة والمفكِّرين، اسمه قانون العِلِّيَّة أو قانون السببيَّة: أنَّ كلَّ معلول لا بدَّ له من علَّة، وكلَّ مسبَّب لا بد له من سبب، وكل مُحرَّكّ لا بد له من مُحرِّك. كما عبَّر عن ذلك الأعرابي حينما سُئل عن الله، فقال ببساطة وبلغته الفصيحة: البعرة تدلُّ على البعير، وخُط السَّيْر يدُلُّ على المسير، فكيف بسماءٍ ذات أبراج، وأرضٍ ذات فجاج، وبحارٍ ذات أمواج، أفلا يدلُّ ذلك على العليِّ الكبير.

هذا هو قانون العِلِّيِّة، {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} [الطور: 35]؟ لا يمكن أن يُخْلقوا من غير شيءٍ، لا بدَّ من خالق: {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]؟ هل هم الذين خَلَقوا أنفسهم؟ لايستطيع أحدٌ أن يقول ذلك؛ لأنَّ العدم لا يخلق الوجود، والمخلوق كان معدومًا، كيف يخلق نفسه وهو عدم؟ {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ} [الطور: 36]؟ السماوات والأرض موجودة قبل أن يُخْلَق، كيف يخلقها؟ حتى الذين ادَّعوا الربوبيَّة، مثل: النمرود وفرعون، مثل هؤلاء، لم يدَّعوا أنهم خلقوا السماوات والأرض، فالإنسانُ مخلوقٌ بعد خلق السماوات والأرض، ولذلك تؤكِّد هذه الآية، هذه الحقيقة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ}، الله هو خالق الإنسان.

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، مُتغيِّر نتن الرائحة، هذا المخلوق العظيم الذي كرَّمة الله، وسخَّر له ما في السماوات والأرض، مخلوقٌ من هذه المادة الضعيفة الهيِّنة.

{وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ}

خلق الجان قبل الإنسان من نار السموم:

{وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ}، الجانُّ: أبو شياطين الجن، وإبليس من ذُرِّيَّته. والجنُّ: خلقٌ مستور عن أعين البشر، ومنهم المؤمنون الصَّالحون، ومنهم الشياطين الكافرون، وهم جنس مُكلَّف مثل الإنس: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، هؤلاء خُلقوا من نار السَّموم، التي فيها نار حارَّة، وتحمل السَّموم: الهواء الحار القاتل، الذي تخترق سمومه المسامَّ . ينفذ إلى سموم الجلد، ومنه: السُّم الذي يخترق مسامَّ الإنسان، ويؤدِّى إلى قتله. خلق هؤلاء الجانَّ من نار السَّموم، أو من مارجٍ من نار، ويقول سبحانه عن الجانِّ، {خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ}، أي: الجان خُلقوا قبل خلق آدم، الله خلق الجنَّ، وكان لهم في الأرض ما لهم، ثم خلق بعد ما شاء من ألوف السنين، من ملايين السنين، الله أعلم.

تحديد عمر الأرض:

هذه الأزمنة الضاربة في أغوار الزمن لا نعلم عنها شيئًا، ولذلك لا نخوض في تفاصيلها، البيولوجيون والجيولوجيون يتحدَّثون عن ملايين السنين، عن عُمر الأرض، وعن عُمر الكون بالملايين والبلايين، ونحن لا نُصدِّق ولا نُكَذِّب، وليس عندنا ما ينافي هذا في القرآن، عندهم في التوراة: أنَّ الدنيا عمرها عدة آلاف سنة.

قال الطبري: (زعم اليهود أن جميع ما ثبت عندهم على ما في التوراة، مما هو فيها من لدن خلق الله آدم إلى وقت الهجرة، وذلك في التوراة التي هي في أيديهم اليوم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة واثنتان وأربعون سنة  ... وأما اليونانية من النصارى فإنها تزعم أن الذي ادعته اليهود من ذلك باطل وأن الصحيح من القول في قدر مدة أيام الدنيا من لدن خلق الله آدم إلى وقت هجرة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم على سياق ما عندهم في التوراة التي هي في أيديهم خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر) .

وليس عندنا شيءٌ من هذا التَّخريف إطلاقًا، لا يستطيع أحدٌ أن يقول عمر الدنيا سبعةَ آلاف، أو سبعة ملايين، أو سبعة بلايين، ليس عندنا دليل من القرآن ولا السنة، وهذا من روائع هذا الدين، ومن إعجازه: أنَّه لا يوجد فيه شيءٌ ينافى العلم، لا يوجد فيه أمر قطعي حقيقي ينافى حقيقة علميَّة قاطعة.

http://www.qaradawi.net/component/content/article/5413.html

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.