Masuk

في رحاب سورة الحجر.. إبليس قاطع طريق

د. يوسف القرضاوي

إبليس قاطع طريق، كما وصفة الله سبحانه: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:17]، من كلِّ جهة سأقطع عليهم السبيل، {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} يشكِّكهم في الآخرة، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ{ سأرغِّبهم فى الدنيا. {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}، من قبل الحسنات والسيِّئات. وقيل: لم يذكر جهة فوق؛ لأنها جهة الرحمة المُنزَّلة من الله، ولا جهة تحت، التي هي السجود لله، كما جاء في الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" . ولكنه قال هنا: سأفعل كلَّ ما أستطيع من كلِّ جهة. فهو يبذل جهده، ويكيد كيده للإنسانيَّة، حتى يُضلَّهم عن سبيل الله.

سُئل الإمام الحسن البصري: قيل له: هل ينام الشيطان؟ قال: لو نام لاسترحنا . ولكنه لا ينام، لا يستريح، يعمل ليل نهار، وصيف شتاء، وفي كلِّ وقت، مُخلصٌ لمهمَّته إزاء الإنسان، وإضلال الإنسان.



التزيين والإغواء:

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، هذا عمل الشيطان، عمله مع الإنسان: التَّزيين والإغواء.

يُزِّين للإنسان السُّوء، ويُجمِّله له، ويُحبِّبه فيه حتى يراه حَسَنًا: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} [فاطر:8].

يُزيِّن له القبائح والمعاصي والشّرك، حتى الكفر والنفاق والرياء، كلُّ المعاصي، معاصي الجوارح ومعاصي القلوب، يُزيِّنها لهم الشيطان، ويُحبِّبها إليهم، ويُحسِّنها لهم.

وبعض الناس – للأسف - يَغُرُّهم تزيين الشيطان: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} [النمل:24]، وهم أهل سبأ الذين كانوا يعبدون الشمس، كما قال الهدهد:

{وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل:24].

الشيطان يُزيِّن الأعمال تزيينًا، يزِّين الدنيا: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [البقرة:212].

يُزيِّن الباطل ويُبرزه في صُورة الحق، يزيِّن الشيطان الحضارة الحديثة، يُزَيِّن المنكر حتى يصبح معروفًا، ويُزيِّن المعصية حتى يُغْري الناس بها، ولا يشبعوا منها أبدًا، لأنَّ المعاصي كلَّما ازددتَ منها شربًا ازددتَ لها عطشا، فهذا من عمل الشيطان، من تزيين الشيطان، زَيَّن لهم الشيطان أعمالهم.

الفرق بين الإغواء والإضلال:

فالشيطان يُزيِّن للبشر في الأرض، ويُغْويهم كما قال: {لَأُغْوِيَّنهم}، بعض المفسِّرين يقول: أغويهم أي: أُضِلُّهم. ولكن في الحقيقة القرآن يقول: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم:2]، إذن الضلال شيءٌ، والإغواء شيء، فالضلال يتعلَّق بفساد الفكر والاعتقاد، والإغواء يتعلَّق بفساد العمل والسلوك، ولذلك الضلال يقابله الهدى، والغي أو الغَواية يقابلها الرُّشد: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]، فالغيُّ أن يفسدَ خُلق الإنسان، أن يَسُوء خلقه، فكأنَّ التزيين يتعلَّق بالجانب الفكري، زَيَّن للناس أفكار السُّوء، ومفاهيم السُّوء، وبدع السُّوء، ونظريات السوء. فهؤلاء الناس الذين يُزيِّنون الباطل لغيرهم، فيُسمَّون الماركسيين، أو العلمانيين - مثلاً - باسم فئة النُّخَب المثقفة، أو صَفْوة المجتمع، هؤلاء من الذي صنع لهم ذلك، وزيَّن لهم هذه الأفكار، فحسبوا الباطل حقًا؟ فهذا التزيين يتعلَّق فى الغالب بالجانب الفكري، والإغواء يتعلَّق بالجانب العملي، فأفسد عليهم أفكارهم، وأفسدَ عليهم أعمالَهم، هذا هو عمل الشيطان: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} .

انظر إلى طموح الشيطان وعُلوِّ همَّته في التَّزيين والإغواء، لم يقل: أُضل مليونا ولا مليونين ولا ثلاثة ملايين ولا عشرة ملايين. بل قال: {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. يشتغل مع البشر جميعًا، أبيضهم وأسودهم، عربهم وعجمهم، شرقيِّهم وغربيِّهم، كبارهم وصغارهم، رجالهم ونسائهم، أغنيائهم وفقرائهم، حكَّامهم ومحكوميهم، {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، حتى كلمة في الأرض، يعنى كلَّ الأرض، في الأرض كلِّها، {ولَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}.

{إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}

المُسْتَثْنَون من تزيين الشيطان وإغوائه:

يقول الإمام الرازي : إن إبليس لم يرضَ أن يكون كاذبا، فيدَّعى أنه يضلُّ الناس جميعا، فاستثنى {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، فإبليس نفسه لم يُرِد أن يكون كذَّابا، قال: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. وفي قراءة من القراءات السبعة: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصِينَ} ، الذين أخلصوا دينهم لله، أو الذين أخلصهم الله لدينه وهداهُم واصْطفاهم، فهؤلاء لا أستطيع أن أغويهم. كلتا القراءتين لهما معناهما، وبينهما تكامل فكري.

أثر الإخلاص في العمل:

المخلِصين الذين وُصفوا بالإخلاص، والإخلاص تصفية العمل من كلِّ شائبة، فلا يكون العمل إلا ابتغاء رضوان الله عزَّ وجلَّ، لم يعمل العمل لأيِّ غرضٍّ من الأغراض، كأن يُرضي الناس، بل يعمل العمل لا ليراه الناس ولا ليحمدوه، ولا للشُّهرة ولا للمال ولا للجاه ولا للمنصب، لا تدخل الدنيا بكلِّ أعراضها، بكلِّ زخارفها، بكلِّ ما يحرص الناس عليه فيها، لا يدخل شيء من هذا في نيَّته حينما عمل، وهذا هو الإخلاص.

{إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، الإخلاص - كما قال الجنيد - سرٌّ من الأسرار، لا يطَّلع عليه مَلَك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله .

الإخلاص سرٌّ بين العبد وبين ربِّه، حتى قال بعض السلف: طُوبى لمَن صحَّت له خُطوة لا يريد بها إلا وَجْه الله عزَّ وجلَّ .

وكلٌّ منا يسأل نفسه: هل أنا أُريد وَجْهَ الله؟ لا بدَّ أن نُفَتِّش فى أنفسنا، ونقول: هذا العمل لوجه الله، أم فيه شوائب من شوائب الدنيا؟ هكذا يجب على الإنسان أن يرصد نفسه، ماذا في نفسه من الرغبة الحقيقية في رضا الله، والرغبات الأخرى التي تدخل عليه، وكثيرٌ من الناس لا يراقب نفسه وأعماله، ويظنُّ أنها لله، وهي ليست لله سبحانه.

إخلاص الدين لله عزَّ وجلَّ:

{إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، حينما قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:145- 146]، أخلصوا دينهم لله، فالإخلاص أن تُخلص دينك لله، أو يُخْلِصَك الله لدينه: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، أو {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصِينَ}.

{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ}

الطريق الموصل إلى الله:

هذا ما قاله إبليس، فبماذا ردَّ الله تعالى عليه؟ {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}، هذا طريقٌ واضح، قال: {عَلَيَّ} بمعنى إليَّ، أي: إلى طريق مستقيم مُسدد لا خَلَل فيه ولا إخْلال، هذا الإخلاص، إخلاصُ الدين لله من العبد، أو إخلاص اللهِ العبدَ لدينه، هذا هو الطريق المستقيم الموصِّل إلى الله عزَّ وجلَّ، فليس هناك طريق موصِّل إلى الله أعظم من الإخلاص لله تبارك وتعالى.

سُنَّة الله في حفظ عباده المُخْلْصين من الشيطان:

وهناك رأيٌ آخر في معنى الآية: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}، هذا طريقُ متَّبع عندي، سُنَّة من سُنني، من هذه السنن: إني لا أُمَكِّن الشيطان من عبادي المُخْلِصين المُخْلَصين. {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}، أي: هو الصِّراط المستقيم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ}، أطاعك وانقاد لك، {مِنَ الْغَاوِينَ}.

هناك قرآءة قرأ بها بعض السَّلف، ومنهم يعقوب، وهو من القُرَّاء العشرة أنَّه قرأ: {هَذَا صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ}، لأنَّ الصِّراط رفيعٌ، أي: رفيع المنزلة، ومستقيم لا عِوَجَ فيه ولا أَمْتًا، هذا صراطٌ علِيٌ مستقيم. المهم هذا الصَّراط، وهذه السنة، أو هذه الطريقة: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}.

المراد بالاستثناء في قوله سبحانه: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ}

هل {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ} استثناء متَّصل؟ أم استثناء منقطع؟

البعض يقول: إنه استثناء منقطع. إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطان قط، ليس لك سلطان على أحدٍ من عبادي، إلا من اتبَّعك من الغاوين، أنت ليس لك سلطان عليهم، إنَّما تُوسوس لهم، فيتَّبعك بعض الناس، إنما ليس لك قدرة عليهم، كما سبق أن ذكرنا فى تفسير سورة إبراهيم: حينما ذكرنا قول الشيطان يوم القيامة: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم:22]، ليس للشيطان سُلطان يؤثِّر به على العباد، لأنَّ الذي اتَّبع إبليس، اتَّبعه باختياره، ولم يقهره إبليس على شيء، دَعَاه ووسوس له ورغَّبه فى السيئات، وَثَبَطه عن الحسنات فاستجاب له، فهم الذين اتَّبعوك، هؤلاء الغاوون هم الذين اتَّبعوك، وأنت ليس لك عليهم سلطان، هذا إذا قلنا: إنَّ الاستثناء منقطع.

معنى الاستثناء المنقطع فى اللغة العربية، إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه، منقول عنه، فالاستثناء منقطع، مثل: حضر القوم إلا إبراهيم، إبراهيم من القوم، إنما تقول: حضر القوم إلا حمارهم، حمار ليس من القوم، فنُسمِّيه استثناءً منقطعًا، ولكن حمارهم لا يحضر، ولكن يبقى منقطع بمعنى الاستدراج، إذا قلنا: ولكن يبقى ليس له سلطانٌ على أحد، وإذا قلنا: إنه متَّصل يبقى أنَّ له سلطانًا على هؤلاء الغاوين.

http://www.qaradawi.net/component/content/article/5644.html

Terakhir diperbarui pada Sabtu, 10 Maret 2012 08:12

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.