Masuk

عناية الإسلام بالأيتام

د. يوسف القرضاوي

عني الإسلام باليتيم وجاءت آيات القرآن وأحاديث الرسول الكريم كلها تحث على العناية باليتيم، ومن أوائل ما نزل من القرآن سورة الضحى وفيها يقول الله تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) لا تقهر اليتيم ولا تذله، (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين ـ الكافر الذي يكذب بالقيامة وبالآخر وبالحساب .. إن أردت أن تعرفه ـ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ*وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)

إنه ذو القلب القاسي الذي يعامل اليتيم بعنف، يدفعه بعنف، ولا يشعر أن هذا إنسان حساس، اليتيم بوضعه حساس في نظرة الناس إليه، ولذلك ينبغي أن يعامل برفق، لا يُقهر ولا يُدع، ولا يُكلم بسوء، هذا ما يريده الإسلام، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى، أي أن كافل اليتيم أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا ظهر في البلاد الإسلامية في هذه السنين مؤسسات وجمعيات خيرية ترعى اليتامى وتدعو الناس إلى كفالة اليتامى تستطيع أن تكفل يتيماً أو يتيمة أو ما شاء الله لك في بعض البلاد الفقيرة بـ 200 ريال كل شهر، أو نحو ذلك، وتكفل يتيماً وتكون جاراً أو قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كافل اليتيم حتى الأم التي تكفل أيتامها.

جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أول من يفتح له باب الجنة ـ أول من يدخل الجنة محمد صلى الله عليه وسلم ـ فأجد امرأة تبادرني ـ تسابقني كأنها تريد أن تدخل معي ـ فأقول لها: يا هذه من أنت؟ فتقول: أنا امرأة آمت على أولادها حتى بلغوا، أي تأيمت تركت الزواج وعاشت لأولادها حتى بلغ الأولاد مبلغهم، بلغوا مبلغ الرجال فهي تزاحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون أول من يدخل الجنة معه.

خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه، ينبغي أن نرعى اليتامى، ونرعى شخصيتهم فلا نذلها ولا نقهرها، إن إضاعة اليتامى معناه أننا أضعنا المجتمع، هؤلاء إذا ضاعوا وأهملوا وقُسي عليهم سيكونون مدمرين في المستقبل، سينتقمون من هذا المجتمع الذي لم يؤد لهم حقاً ولم يرع لهم حرمة، المجتمع حين يوفر العناية لليتامى، إنما يُعنى بنفسه بمستقبله، بأمانه باستقراره.

عناية الإسلام باللقطاء

وأكثر من ذلك أن الإسلام عني باللقطاء، اللقيط الذي لا يُعرف له أب ولا أم الذي يجده الناس بالقرب من المسجد، أو في السوق أو في أي مكان، نتيجة جريمة ارتُكبت ولكن الإسلام لا يؤاخذ إنساناً بذنب غيره، (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، إذا كان الأب والأم قد ارتكبا الفاحشة فهذا لم يرتكب شيئاً لذلك ينبغي العناية به.

وفي الفقه الإسلامي باب في كل مذهب من المذاهب اسمه باب اللقيط، أحكام اللقيط، ماذا يُصنع باللقيط، هذا إنسان له حرمة الإنسانية، ينبغي أن يرعى هو ابن سبيل كما قال العلامة رشيد رضا: إنه أحق بكلمة ابن السبيل من غيره، لأنه وجد في الطريق، فالسبيل أمه وأبوه، وهو ابن السبيل وقد أوصى القرآن بابن السبيل في سوره المكية والمدنية (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ).

لابد أن نعنى بالطفولة أيها الأخوة، الطفولة كل الطفولة، هذا هو ديننا لا نريد أن نتعلم من الغرب، عندنا من تراثنا من كتاب ربنا ومن سنن نبينا ومن فقه فقهاءنا ومن تربية مربينا ما يغنينا عن الاستيراد من غيرنا، ينبغي أن نعنى بالطفولة ونعنى بالمعوقين خاصة ونعنى باليتامى ونعنى باللقطاء ونعنى بكل طفل ينشأ في تربة إسلامية في أرض إسلامية، فهذا هو دين الرحمة، الإسلام رحمة الله للعاملين، وهو أكثر ما يكون رحمة للضعفاء من الناس، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم.

الطفل المَعُوق

وتتضاعف هذه المسؤولية إذا كان الطفل معوقاً، أصابه عوقاً من هذه الآفات التي تصيب الناس، العمى، العرج، فقد السمع، فقد البصر، فقد حاسة من الحواس، أو جارحة من الجوارح، أو كان متخلفاً عقلياً، أو نحو ذلك مما يبتلى به الناس، هذه ابتلاءات من الله تبارك وتعالى، لا نستطيع لها دفعاً، ولا نملك أمامها إلا التسليم والصبر على ما ابتلانا الله تعالى به، ولكن ينبغي ألا يجعلنا هذا نهمل الطفل المعوق.

الحضارة الإسلامية كان فيها أناس من أصحاب هذه العاهات، وبلغوا مبلغاً عظيماً من العلم والفضل، منهم الأعمى، منهم الأعرج، ومنهم ومنهم، وأُلفت في ذلك كتب عن قصص هؤلاء وحكايات هؤلاء، فبعضهم من الذكاء بمكان وبعضهم من النبوغ بمكان، من ينسى أبا العلاء المعري أو بشار بن برد أو غيرهم، من ينسى عبد الرحمن الأعرج من رواة الحديث، من ينسى ومن ينسى …

هؤلاء يمكن أن يكونوا أناس لهم شأن في الحياة، وكم رأينا من مشايخنا من علماء الأزهر وغيرهم من علماء المسلمين، من تفوق في علمه وكان نابغة في عصره وعلامة دهره، ولا نزال إلى اليوم نعرف من هؤلاء الكثير، وقال شوقي في رائيته عن الأزهر وعلماءه:

والله ما تدري لعل كفيفهم ---  يوماً يكون أبو العلاء مبصراً

يستطيع هؤلاء إذا يسرت لهم السبل، أن يكونوا شيئاً مذكوراً في المجتمع، ومن حسن حظنا أن عصرنا هذا يعني بهذا الصنف من الناس بالمعوقين ويجعل لهم مكاناً أي مكان في الحياة.

الحضارة الغربية على ما فيها من نزعة مادية ونزعة منفعية من فضائلها أنها عنيت بهذا الجانب، تجد حمامات خاصة للمعوقين، سيارات خاصة للمعوقين، مواقف خاصة للمعوقين، تسهيلات في كل دائرة وفي كل مصلحة للمعوقين، وهكذا ينبغي أن تكون، هنا في قطر عدة مدارس للمعوقين.

منذ سنوات فتحت مدرسة للمعوقين كانت ملحقة بمدرسة آمنة بنت وهب، والآن عرفت أن هناك أكثر من مدرسة، مدرسة للمكفوفين ومدرسة للمتخلفين عقلياً، مدرسة للمعوقين وأخرى لشديدي العوق، ولا أقول "الإعاقة" فهذه ليست في العربية أعاق يعيق، إنما عاق يعوق عوقاً وليس فيها أعاق يعيق إعاقة، ولا يسمى المعاق إنما المَعُوق أو المُعوَّق، فهذا التعويق لا ينبغي أن يستسلم له.

في عصرنا اكتشفوا طريقة لتعليم العميان القراءة والكتابة، طريقة بريل كما يسمونها، فعلينا أن نعلم العميان، في حضارتنا كانوا يتعلمون عن طريق الحفظ والسماع الآن يمكن أن يقرأ ويكتب، لابد أن نفتح هذه المدارس، وإذا لم تكف مدرسة فلنفتح أخرى، أيضاً من خصائص هذا العصر كثرة المعوقين.

ونحن المسلمين لنا النصيب الأوفى من المعوقين في العالم، في فلسطين، في الشيشان، في أفغانستان، في الصومال، في البوسنة والهرسك، في كوسوفو، في بلاد شتى آلاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف من المعوقين من الأطفال ومن الكبار فعلينا أن نُعنى بهؤلاء المساكين، ليس المسكين فقط من فقد المال، إنما من فقد القدرة على الحركة كغيره.

___

- عن خطبة جمعة ألقاها الشيخ القرضاوي في 4/8/2001 وتزامنت مع اليوم العالمي للطفل.

http://qaradawi.net/component/content/article/5749.html

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.