Masuk

من أمراض الأمة: الفرقة - 2

د. يوسف القرضاوي

عناصر الأُخوَّة الإسلاميَّة:

أوَّلاً: المحبَّة:

مقتضى الأُخوَّة، المحبَّة، أول عناصر الأُخوَّة الإسلاميَّة: المحبَّة، أن يحبَّ المسلم أخاه.

درجات المحبَّة:

وهذه المحبَّة درجات ومستويات، أدنى درجات هذه المحبَّة:

المرتبة الأولى:  سلامة الصَّدر:

أن يَسْلَمَ صدرك من الغلِّ والحقد والحسد لأخيك المسلم، أن تقول ما قال المؤمنون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10]، لا تُضمر غلاًّ لأخيك، لا تُضْمِرُ حسدًا فإنَّه يأكل الحسنات كما تأكل النَّار الحطب، لا تدع قلبك فريسةً للأحقاد تأكله:

فالنَّار تأكل نفسها




إن لم تجد ما تأكله[1]


طهِّر قلبك من هذه المهلكات، من هذه الضغائن، هذه أول درجة من درجات المحبَّة.

المرتبة الثانية:  أن تحبَّ لأخيك ما تُحبُّه لنفسك:

والدَّرجة الثَّانيَّة: هي التي عبَّرَ عنها الحديث الصَّحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه"[2]. إذا كنت تحبُّ لنفسك السَّعة والغنى، فأحبب لأخيك السَّعة والغنى، إذا كنت تُحب لنفسك النَّجاح، فأحبب لأخيك النَّجاح، إذا كنت تحبُّ لنفسك البنين والأولاد، فأحبب ذلك لأخيك، واكره له ما تكره لنفسك من شرٍ وَضُرٍ، هذا مقتضى الإيمان.

الحديث الآخر يقول: "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا"[3]. لن تؤمنوا حتى تحابُّوا، هذه هي الدرجة الثانية من درجات المحبَّة.

المرتبة الثالثة:  الإيثار:

والدرجة الثَّالثة أعلى: وهي درجة الإيثار، درجة الإيثار، أن تجود بالشيء وأنت محتاج إليه، أن تجوع ليشبع أخوك، أن تتعب ليرتاح أخوك المسلم، أن تسهر لينام أخوك، أن تُعَرِّض صدرك للرَصاص ليَسلم أخوك، هكذا كان المسلمون الأوائل، وهم الذين قصَّ الله علينا قصَّتهم في كتابه وقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].

إنَّ أخاك الحقَّ من كان معك




ومن يَضُرُّ نفسه لينفعك


ومن إذا رَيْبُ الزمان صَدَعَكْ




شتَّتَ فيه شَمْلَهُ لِيَجْمَعَكْ[4]


هذا هو الإيثار.

ثانيًا: التَّناصر:

مقتضى الأُخوَّة: المحبَّة، ومقتضى الأُخوَّة: التَّناصر، أن تنصر أخاك المسلم: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال:72]، ألاَّ تخذلَه في ساعة الشِّدَّة، أن تكون درعًا له تحميه، أن تكون ذراعًا له تُقويه، أن تقف بجانبه في ساعة المحنة، ألاَّ تتخلَّى عنه، هذا هو مقتضى الأخوة، "المسلم أخو المسلم، لا يَظلمه، ولا يُسْلِمُه"[5]. لا يخذله.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيتَ إذا كان ظالما، كيف أنصره؟ قال: "تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره"[6]. إذا منعته من ظلمه فقد نصرته على هوى نفسه النفس الأمارة بالسوء، على شيطانه الذي يحاول أن يُضِلَّه، انصر أخاك ظالما أو مظلوما.

قال الفقهاء: لو أنَّ امرأة سبيت بالمشرق، كان على أهل المغرب أن يُخَلِّصوها من الأسر، إذا لم يستطع أهل المشرق ذلك[7].

وقال الإمام مالك: إذا كان هناك أسرى من المسلمين وجب عليهم أن يفتدوهم ولو استغرق ذلك جميع أموالهم[8].

التناصر واجب، الأمة الإسلامية كالجسد الواحد، كما سمَّاها النبي صلى الله عليه وسلم وكما صوَّرها، "مثل المؤمنين في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[9].

ثالثًا: التَّعاون:

ومن عناصر هذه الأخوة: التَّعاون: أن تُعَاوِن أخاك المسلم، أن يتعاون المسلمون فيما بينهم أفرادًا وجماعات، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2].

"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"[10].

وخصوصًا في ساعات الشَّدائد، عندما يوجد المسلم الذي لا يجد القوت، وهناك مَن يملك الملايين، ومَن يعبث بالملايين، لا يجوز أن يُتْرَك المسلمون يَهْلِكون جوعًا وعُريًا وضياعًا، وهناك من المسلمين مَن يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، لا، لا يجوز هذا، أَعِن أخاك المسلم فرِّج كربته، " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة "[11].

رابعًا: التَّسامح:

ومن عناصر الأُخوَّة التي عليها الإسلام مجتمعه: التَّسامح، أن يسامح المسلم أخاه المسلم، أن تصل مَن قطعك، وتبذل لمَن منعك، وتعطي مَن حرمك، وتعفوَ عمَّن ظلمك، وتُحسن إلى مَن أساء إليك، وتحلم على مَن جهل عليك، ولا تعامل النَّاس دقةً بدقةٍ، ونقيرًا بنقيرٍ، كن متسامحًا، رحم الله عبدًا سمحًا في معاملاته كلِّها.

كن سمحًا مع إخوانك المسلمين، يقول الله تعالى: {و لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34]، كأنَّه وليٌّ حميم، تستطيع أن تكسب ودَّ الإنسان، وتجعله صديقًا لك بكلمة طيِّبة، ببسمة لطيفة.

الإنسان أسير الإحسان:

الإنسان أسير الإحسان، فلماذا تستعدي الناس عليك؟ لماذا تجلب عداوة الناس لك؟ ويمكنك أن تجعلهم أصدقاء لك، لا ينبغي لعاقل أن يفعل ذلك، {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34].

كان الرجل من السلف إذا قال له بعض الناس: أنت فاسق، أنت مرائي، أنت كاذب. يقول: يا أخي، إن كنتَ صادقًا فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك.

وهكذا يُطفئ النَّار بينه وبين أخيه بمثل هذه الكلمة، إن كنتَ صادقًا فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك. أمَّا الَّذين يريدون أن يجعلوا الحياة معركةَ شجارٍ بينه وبين غيرهم على المليء والفارغ، على القليل والكثير، وعلى النقير والقطمير، فالحياة أهون من أن تتَّسع لذلك، ينبغي أن يشغل الناس أنفسهم بما هو أعظم.

التَّسامح بين أهل العلم والدَّعوة:

التسامح مطلوب، وأولى ما يكون التسامح بين أهل العلم والدعوة إلى الله، أهل العلم والدعوة إلى الله تعالى أولى بالتَّسامح من غيرهم، أن يسامح بعضهم بعضًا فيما يختلفون فيه، لا أن يهاجم بعضهم بعضًا، ولا أن يسبَّ بعضهم بعضًا، الحياة تتَّسع لي ولك، فلماذا نضيِّق على أنفسنا؟ ولماذا يُضيِّق بعضنا على بعض؟ ولماذا يريد بعضنا أن يحتكر الصَّواب لنفسه، وأن يرمي غيره بكلِّ تهمة.

أسباب العداء بين أهل العلم والَّدَّعوة:

العداء بين الدعاة والعلماء لا يأتي إلا من جملة أشياء:

أولها: إرادة رفع الخلاف من الأُمَّة:

هناك أناسٌ يريدون أن يرفعوا الخلاف من الأُمَّة، لا يُرِيدُون أن تختلف الآراء، وهذا ليس بصواب، الاختلاف ضرورة ورحمة وسَعَة لهذه الأُمَّة، ضرورة اقتضتها طبيعة الدين، لأنَّ الله أنزل الدِّين آيات محكمات، وَأُخَرُ متشابهات، نصوص قطعية الدلالة والثبوت، ونصوص ظنية الدلالة أو ظنية الثبوت.

"شح مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه"[12]، وفي بعض الروايات: "وإعجاب المرء برأيه"[13].

فهذا من المهلكات، تُهلك الأنفس وتُرديها والعياذ بالله فيما يُغضب الله تبارك وتعالى، وفي النَّار في الآخرة، ينبغي للمسلم أن يتنزَّه عن هذا.

لا مانع من التعدُّد في الأفكار والآراء والجماعات:

لا مانع أن تتعدَّد الأفكار والآراء، ولا مانع أن يحاول الناس تمحيصها في ظلِّ الأُخوَّة في الله دون تجريح لأحد، ولا مانع أن يتعاون النَّاس في المتَّفق عليه، كما قال العلَّامة رشيد رضا رحمه الله في قاعدته التي سمَّاها قاعدة المنار الذهبية قال: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

توحد الحركات الإسلامية أمنية بعيدة المنال:

بعض النَّاس يضيق بتعدُّد الجمعيَّات الإسلاميَّة، والحركات الإسلاميَّة، ويريد أن تجتمع كلُّها تحت قيادة واحدة، وفي جماعة واحدة، هذه أمنية عذبة، ولكنَّها بعيدة المنال، البشر لا يمكن أن يكونوا نُسخًا كربونية مكرَّرة، لكلٍّ منهم وجهته.

كيف يتَّفق النَّاس على الأهداف، والأهداف كثيرًا ما تختلف؟ كثيرًا ما يختلف على ترتيبها، هذا هو الهدف الأول، وهذا هو الهدف الثاني، وهذا هو الهدف الثالث، وهكذا.

وكيف يتَّفقون على الوسائل والمناهج وهي تختلف؟

ثمَّ كيف يتَّفقون على الأشخاص، وهذا يثق بزيد، وذاك يثق بعمرو، ولذلك يستحيل أن يجتمع الناس على جماعة واحدة وقيادة واحدة.

التعدُّد المباح تعدُّد التنوع لا تعدُّد التصارع:

ولذلك لا مانع أن تتعدَّد الجماعات إذا كان تعدُّد تنوُّع وتخصُّص، لا تعدُّد تصارع وتناقض، هذا يشتغل بالدعوة والإرشاد، وذاك يشتغل بالتَّربية والتَّعليم، والآخر يشتغل بالعمل الخيري والاجتماعي، والرَّابع يشتغل بالعمل الاقتصادي والمالي، وذاك يشتغل بالعمل السياسي، وآخر تحتاج بلده إلى الانشغال بالعمل الجهادي، وذاك يجمع أكثر من عمل. لا مانع من هذا التعدُّد، على أن يكون هناك قدرٌ من التعاون الذي يفرضه الإسلام، وتفرضه المصلحة في الأمور المتَّفق عليها، وأن يقفوا في القضايا المصيريَّة موقفًا واحدًا، كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف:4]، ساعة المعركة يجب أن يتصافَّ الجميع، ويقفوا كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا.

معاركنا كثيرة:

ونحن الآن في معركة، الأمَّة الإسلاميَّة، في معركة في كلِّ مكان، معركتنا مع الصهيونيَّة العالميَّة في فلسطين ولبنان، معركتنا مع الصليبيَّة العالميَّة في البوسنة وفي الشِّيشان وفي الفلبين، معركتنا مع الوثنية الشَّرقية في كشمير وغيرها، معركتنا في أكثر من مكان.

الصَّحوة الإسلامية تهاجم في كلِّ مكان:

الصحوة الإسلامية تُضرب هنا وهناك، توجَّه إليها أشدُّ الضَّربات وحشيَّة، على قدر قوَّة الصحوة جاءت قوَّة الضربات، الأمَّة الإسلاميَّة تُهاجَم في كلِّ مكان، ألا نعرف ذلك؟ فنزيد عليها بأن يُهاجِم بعضنا بعضًا، في ساعة المعركة يجب أن يلتقي الجميع ويقفوا صفًّا واحدًا، وينسوا ما بينهم من خلافات جزئية، ومعارك جانبية، يكفي أننا تلتقي على الحدِّ الأدنى من الإسلام، أن نلتقي على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، أن نلتقي على ما يصير به المسلم مسلمًا.

أقليَّات العالم تجتمع وأقليَّاتنا تختلف:

للأسف رأيتُ المسلمين، حتى الأقليَّات منهم يختلف بعضهم مع بعض! في العالم كلِّه الأقليات تجتمع وتتضام لتحفظ نفسها، وتحمي وجودها أمام الكثرة الكاثرة، ولكن المسلمين لا يفعلون ذلك، لا في داخل بلاد الإسلام، ولا في خارجها، في أوربا وأمريكا واستراليا، ذهبوا بخلافاتهم من بلادهم، ونسَوا أنهم في مجتمع جديد يحتاج أن يتضامُّوا ويتَّحدوا، هذا ما ينبغي للمسلمين أن يفعلوه.

تختلف الآراء ولا تختلف القلوب:

لا يجوز لأهل العلم والدعوة أن يهاجم بعضهم بعضًا من أجل آراء يختلفون فيها، لتختلف الآراء ولكن لا تختلف القلوب، الصحابة اختلفوا في كثير من الأمور بعضهم مع بعض، والتابعون والسلف الصالح والأئمَّة، ولكنهم صلَّى بعضهم وراء بعض، ووسع بعضهم بعضًا.

الشَّافعيُّ يترك القنوت أدبًا مع أبي حنيفة:

ذهب الإمام الشَّافعيُّ إلى بغداد فلم يقنت في صلاة الصبح كما هو مذهبه، قال: أدبًا مع الإمام أبي حنيفة[14]. لأنَّ هذه الأمور تتسع لمثل هذا، أدبٌ مع الميِّت، فكيف بالأدب مع الحيِّ؟ نحن في حاجة إلى هذا الأدب.

الطَّعن في علماء الأمَّة:

أرى اليوم أناسًا لم يدعوا أحدًا إلا هاجموه، هاجموه بقسوة وبعنف، وبلسان أحدَّ من السيف، هاجموا القدماء، وهاجموا المُحدَثين، وهاجموا المعاصرين، لم يَدَعوا أحدًا من السابقين واللَّاحقين إلا وأوسعوه تجريحًا وطعنًا، حتى رأينا مَن طعن في الإمام التقي النقي محي الدين النَّووي رحمه الله، ورأينا مَن طعن في أمير المؤمنين في الحديث، شيخ الإسلام وخاتمة الحفاظ الحافظ ابن حجر العسقلاني! إذا كانوا قد طعنوا في هذا فلا مانع أن يطعنوا في المودودي والندوي والبنَّا وقطب والغزالي وغيرهم.

الصواب والخطأ نسبتهما واحدة في الأقوال الاجتهادية:

لماذا نطعن في علماء الإسلام؟ ينبغي أن يَسَعَ بعضنا بعضًا، حتى لو خالفتَ عالمًا لماذا تعتقد أنَّك وحدك على الصواب وغيرك على الخطأ؟ كان بعض السَّلف يقولون: رأيي صواب يحتمل الخطأ, ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. والاحتمال في الخطأ في قولي والصواب في قول الطرف الآخر هو الذي يقرِّب بيننا، ولكنَّ بعض العلماء قال لا، الصواب والخطأ نسبتهما واحدة في كلِّ الأقوال الاجتهادية، ما دامت المسألة اجتهادية فقولي وقول الآخر كلاهما يحتمل الصواب والخطأ، لا يقين، هذا ما قاله علماؤنا.

كيف يفعل بعضنا مع بعض من أجل الخلاف في بعض القضايا، يطعن العالم في أخيه العالم ولا يلتمس له العذر، ولكن يحاول أن يشوِّه صورته، لا ينبغي هذا لأهل العلم، ولا لأهل الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، لا ينبغي أن يظهروا بذلك أمام الناس ويُجرِّح بعضهم بعضًا، ويطعن بعضهم في بعض من أجل أمور خلافيَّة كانت بين السلف والخلف ولم تُفْسِد لهم ودًّا، ولم تقطع بينهم آصرة، هذا هو الذي ينبغي.

الفرقة شر ما تُصاب به الأُمَّة:

إنَّ شرَّ ما يصيب هذه الأمَّة هو الفرقة والاختلاف المؤدِّي إلى العداوة والبغضاء، أن يصير بأسها بينها، أن يحدث لها ما حدث للأمم قبلها، لقد قال الله تعالى عن اليهود: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة:64ٍ]، وقال في شأن اليهود أيضًا: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُون} [الحشر:14]، وقال في شأن النَّصارى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} المائدة:14]، فكيف نسير في سنن الأمم السابقة شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، ونختلف كما اختلفوا، ونتفرَّق كما تفرَّقوا، وعندنا كتاب الله وسنة رسوله؟ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حذَّرنا من ذلك، والقرآن الكريم حذَّرنا.

من العقوبات الإلهية أن تصير الأمة بأسها بينها:

إن شر ما تصاب به الأمم أن تصبح شِيَعًا متلابسة متداخلة، وأن يذيق بعضها بأس بعض، في معرض الحديث عن العقوبات الإلهية يقول الله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام:65]، يلبسكم شيعًا، يتلبَّس بعضكم بعضا، ويتلابس بعضكم مع بعض فلا تمايز ولا تباين، ويذوق بعضكم بأس بعض، هذا هو المَخُوف، هذه هي الكارثة، أن يذوق بعضنا بأس بعض.

وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث، رواه عنه سعد بن أبي وقاص[15]، وجابر بن عتيك[16]، ومعاذ بن جبل[17]، وخبَّاب بن الأرت[18]، وثوبان، ... وغيرهم، رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّه "سأل ربَّه ثلاث خصال، فأعطاه اثنتين ومنعه الثالثة، سأل ربَّه أن لا يهلكها بما أهلك به الأمم السابقة بمثل الغرق الذي أهلك الله به قوم نوح، أو فرعون وجنوده، أو بالسنين أي المجاعات الماحقة التي تهلك بها الأمة كافَّة، أو بغير ذلك من الرجم من فوقهم، أو الخسف من تحت أرجلهم.

وسأله ألا يسلِّط عليها عدوًا من غيرها يستبيح بيضتها ويهلكها، وسأله ألا يجعل بأسها بينها، قال: يا محمد إني إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يردُّ، وإني أعطيتُك لأمَّتك أن لا أهلكهم بسنة عامَّة، وأن لا أسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها - أو قال: مَن بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا"[19].

هكذا قدَّر الله، وترك هذه للسنن، للقوانين الاجتماعية تفعل فعلها، فهذا ما نخشاه على هذه الأمة، أن يصبح بأسها بينها.

الأمم الأخرى تتقارب على جميع المستويات:

الأمم الأخرى تحاول أن تضمَّ صفوفها، وأن تجمع كلمتها، رأينا ذلك على المستوى الدِّيني، ورأينا ذلك على المستوى الإيديولوجي، وعلى المستوى السياسي، اليهود حاولوا أن يقتربوا من النَّصارى، والنَّصارى اقتربوا من اليهود، وأصدروا وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح كما زعموا، والنصارى رغم اختلاف كنائسهم التي تعتبر كأن كلاًّ منها دينٌ مستقل، تقاربوا فيما بينهم، ولكن المسلمين للأسف يختلفون، ترى العالم على المستوى السياسي يتقارب سياسيًّا، ويتقارب اقتصاديًّا، وتقوم كتل كان بينها ثارات قديمة وحروب مستمرة، نسوا الاختلافات العرقيَّة، ونسوا الاختلافات الدينيَّة، ونسوا الاختلافات المذهبيَّة، ونسوا الاختلافات التاريخيَّة، ووجدوا المصلحة في أن يتَّحدوا، فما بال المسلمين لا يدركون هذا؟!

دعوة للأمَّة الإسلاميَّة:

إنني أدعو أمتنا الإسلامية إلى أن تراجع نفسها على ضوء كتاب ربِّها، وسُنَّة نبيِّها، وعلى ضوء تاريخها، وعلى ضوء واقعها، أن تعتصم بحبل الله جميعًا، هناك الحبل الذي إذا اعتصمت به فلن تتفرَّق أبدًا، كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والله الموفق إلى سواء السبيل.
ـــــــ

[1]] - من شعر ابن المعتز.

[2]- متفق عليه: رواه البخاري (13)، ومسلم (45)، كلاهما في الإيمان، عن أنس بن مالك.

[3]- رواه مسلم في  الإيمان (54)، وأحمد (9709)، عن أبي هريرة.

[4]- من شعر أبي العتاهية.

[5]-.سبق تخريجه.

[6]- رواه البخاري في الإكراه (6952)، عن أنس.

[7]- البحر الرائق لابن نجيم (5/79).

[8]- البيان والتحصيل لابن رشد (2/560).

[9]- متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6011)، ومسلم في البر والصلة (2586)، عن النعمان بن بشير.

[10]- رواه مسلم في الذكر (2699)، عن أبي هريرة.

[11]- جزء من الحديث السابق.

[12]- رواه البزار(6491)، والطبراني في الأوسط (5452)، وقال الألباني في الصحيحة (1802): حسن بمجموع طرقه، عن أنس بن مالك.

[13]- رواه البزَّار (7293)، عن أنس.

[14]- الجواهر المضية (2/433).

[15] - رواه مسلم في الفتن (2890).

[16] - رواه أحمد (23749) وقال مخرجوه: حديث صحيح، والحاكم في الفتن والملاحم (4/517)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي.

[17] - رواه أحمد (22108) وقال مخرجوه: صحيح لغيره، وابن ماجه في الفتن (3951)، وصححه الألباني في الصحيحة (1724).

[18] - رواه أحمد (21053) وقال مخرجوه: إسناده صحيح، والترمذي في الفتن (2175) وقال: حسن صحيح، والنسائي في قيام الليل (1638)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (5754).

[19]- رواه مسلم في الفتن (2889)، عن ثوبان.

http://www.qaradawi.net/component/content/article/6049.html

Terakhir diperbarui pada Selasa, 31 Juli 2012 09:37

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.