Masuk

الإيمان بالنبوات

د. يوسف القرضاوي

الإيمان بالنبوة ليس بالأمر العجيب بعد الإيمان بكمال الله وحكمته ورحمته ورعايته للكون وتدبيره للعالم، وتكريمه للإنسان، بل هذا الإيمان فرع عن ذلك ولابد، فما كان الله ليخلق الإنسان، ويسخر له ما في الكون جميعاً، ثم يتركه يتخبط على غير هدى، بل كان من تمام الحكمة أن يهديه سبيل الآخرة كما هداه سبيل الحياة الدنيا، وأن يهيئ له زاده الروحي، كما هيأ له زاده المادي، وأن ينـزل الوحي من السماء ليحيي به القلوب والعقول، كما أنزل من السماء ماء لتحيا به الأرض بعد موتها.

ما كان من الحكمة أن يترك الإنسان لنفسه تتنازع الفرد قواه وملكاته المختلفة، وتتنازع الجماعة أهواؤها ومصالحها المتضاربة، وإنما كانت الحكمة في عكس هذا. كانت الحكمة في إرسال رسله بالبينات، ليهدوا الناس إلى الله، ويقيموا الموازين بالقسط بين العباد.

ولهذا استنكر رسل الله من قومهم أن يعجبوا لإرسال الله رسولاً عنه يبلغهم بأمره ونهيه، فيقول نوح: (يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون) (الأعراف: 61 - 63).

ويقول هود لقومه ما يقرب من هذه المقالة.

ويقول القرآن رداً على المشركين الجاحدين برسالة محمد: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم، قال الكافرون: إن هذا لساحر مبين) (يونس: 2).

والهداية بالوحي هي أعلى مراتب الهداية التي منحها الله للإنسان.

فهناك الهداية الفطرية الكونية، وهي التي عبر عنها أحد العلماء حين قيل له: متى عقلت؟ قال: منذ نزلت من بطن أمي، جعت فالتقمت الثدي وتألمت فبكيت!!

وهذه الهداية ليست خاصة بالإنسان، بل تشمل الحيوان والطير والحشرات وهي التي عبر عنها بالوحي في شأن النحل (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون) (النحل: 68)، بل هي منبثة في أجزاء الكون كله: في النبات الذي يمتص غذاءه من عناصر الأرض بنسب محدودة وقدر معلوم، وفي الكواكب التي يسير كل منها في مداره الذي لا يتعداه، وفق قانون لا يتخطاه (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون) (يس: 40) فهي هداية عامة للمخلوقات علويها وسفليها، ولهذا ذكر لنا القرآن جواب موسى لفرعون قال: (فمن ربكما يا موسى * قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 49، 50). وقال تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدَّر فهدى) (الأعلى: 1 - 3).

والمرتبة الثانية للهداية مرتبة الحواس الظاهرة كالسمع والبصر والشم والذوق، والباطنة كالمجوع والعطش والفرح والحزن، وهذه المرتبة أرقى من الأولى، ففيها نوع من الانتباه، وقدر من الإدراك، وإن كانت لا تسلم من الخطأ، كما نرى في السراب الذي يحسبه الرائي ماء، وفي الظل الذي يظنه ساكناً وهو متحرك.

والمرتبة الثالثة: هداية العقل بملكاته وقواه المختلفة، وهو أرقى رتبة من الحواس وإن كان كثيراً ما يعتمد على الحس في الحكم والاستنباط. وبذلك يتعرض للخطأ. كما يتعرض له في ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج. والعقل في عملياته العليا من خصائص الإنسان، التي تفرد بها عن الحيوان.

والمرتبة الرابعة: هي هداية الوحي، وهي التي تصحح خطأ العقل، وتنفى وهم الحواس، وترسم الطريق إلى ما لا سبيل للعقل أن يصل إليه وحده، وترفع الخلاف فيما لا يمكن أن تتفق عليه العقول.

(كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقرة: 213).

(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد: 25) (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (النساء: 165).

والإيمان بالنبوة والرسالة يتضمن في حناياه معاني عديدة:

1. فمعناه الإيمان بحكمة الله البالغة، ورحمته الواسعة، فحكمة الحكيم ورحمة الرحيم هما اللتان اقتضتا ألا يترك الناس سدى، وألا يعذبوا قبل البلاغ والتبشير والإنذار، وألا يتركوا للخطف يأكلهم دون حكم يرجعون إليه: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) (القيامة: 26) (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (الإسراء: 15) (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) (البقرة: 213).

2. ومعناه الإيمان بوحدة الدين عند الله، وأن دين الله في جميع الأماكن والأزمان واحد لا يتغير، وإن تغيرت المناهج والشرائع باختلاف الأعمار. (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (البقرة: 136) (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (الشورى: 13).

ويصور رسول الإسلام موقفه من الأنبياء قبله، أنه ليس إلا اللبنة الأخيرة، في هذا الصرح الكبير، فيقول: "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين".

3. ومعناه الإيمان بمثل عليا إنسانية واقعية، وقدوات بشرية ممتازة، استطاعت أن تجعل من مكارم الأخلاق، وصوالح الأعمال، وفضائل النفوس حقائق واقعة، وشخوصاً مرئية للناس، لا مجرد أفكار في بعض الرؤوس، أو أماني في بعض النفوس، أو نظريات في الكتب والقراطيس. وجمهور الناس ليسوا فلاسفة يؤمنون بالمجردات، وإنما يؤمنون ويتأثرون وينفعلون بما يشاهدون وما يحسون، ولهذا جعل الله الرسل إلى الناس بشراً مثلهم، لا ملائكة من غير جنسهم، لأن الإنسان لا يأنس إلا لمثله، ولا يقتدي إلا بمثله، ولا تقوم عليه الحجة إلا به. وقد استبعد المشركون أن يكون الرسول بشراً، وقالوا: منذ عهد نوح : (لو شاء الله لأنزل ملائكة) (المؤمنون: 24) وقالوا في عهد محمد: (أبعث الله بشراً رسولاً) (الإسراء: 94) فرد الله عليهم بقوله: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنـزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً) (الإسراء: 95).

فالأنبياء ليسوا في نظر القرآن آلهة، ولا أنصاف آلهة، ولا أبناء آلهة، إنهم بشر مثلنا، من الله عليهم بنعمة الوحي، ليبلغوا رسالة الله للناس: (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (إبراهيم: 11).

ــــــــ

- عن كتاب "الإيمان والحياة" للشيخ القرضاوي.

- طالع الكتاب


http://www.qaradawi.net/component/content/article/6196.html

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.