Masuk

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ

د. يوسف القرضاوي

التَّسرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

يخاطب الله سبحانه النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، يُعِّزيه ويُسلِّيه عمَّا أصابه من كبراء مشركي قومه، من الاستهزاء والسخرية، حين قالوا: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، إذ كبُر في نفوسهم أن يكون كتابه الذي يتلوه عليهم ذكرًا للعالمين، وأن يكون رسولاً للعالمين.

أراد الله أن يُسَرِّي عن رسوله، بأنه ليس وحده الذي ابْتُليَ باستهزاء المشركين والمُكذِّبين، كلُّ الرسل في أقوامهم أصابهم ما أصابه، إذا كان هو عليه الصلاة والسلام قد قيل له: مجنون، وساحر، وكاهن، ومُفْتَر. وقيل له: أساطير الأوَّلين اكْتَتَبْتها .. إلى آخره.

وقد حكى القرآن استهزاءهم بالنبي فقال: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء:36]، {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} [الفرقان:41]، {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، لماذا لم ينزل على أحدِ العظماء من قريش مثل: الوليد بن المغيرة، أو من عظماء الطائف مثل: عروة بن مسعود الثقفي، لِمَ ينزل على هذا الفقير اليتيم؟ {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31].

{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

استهزاء الامم المُكذِّبة برسل الله:

لَسْتَ يا محمد وحدك الذي استهزأ به قومه قال تعالى: {ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [النحل:36]، {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24].

هؤلاء الرسل وهؤلاء النُّذُر لقوا من قومهم من الاستهزاء والسخرية الكثير، حتى حَاقَ بهم ما حاق من عذاب الله عزَّ وجلَّ. قال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام:10]، استهزؤوا برسلهم من أجل ما عندهم من مال، أو من أجل ما عندهم من جاه، أو من أجل ما عندهم من علم، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر:83]، استهزؤوا برسلهم فقالوا: {أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} [القمر:24].

وقالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27].

وقالوا {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُون} [الشعراء:111]، أي: الفقراء والمساكين، لم يتَّبعك الملأ الأشراف والكبراء، لأنَّ الكبراء دائمًا يجدون أنَّ الرسالات ضدَّ مصالحهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام:123]، {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سـبأ:34].

المُتْرفون الذين يعيشون فى الترف وبُحْبُوحة في النعيم، ويأكلون الأموال بالباطل، ويجمعون الأموال، ويبنون القصور، الذين يعيشون لهذه الدنيا هم دائمًا أعداءُ كلِّ رسالة، وخصومُ كلِّ دعوة إلى الإصلاح، فهؤلاء كانوا دائمًا ضدَّ الأنبياء عليهم السلام، كما قال فرعون: {يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف:50- 53].

وهكذا كان المكذِّبون دائمًا في الأمم: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [11].

كما قال الله عزَّ وجل: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يّـس:30].

انظروا إلى هذا التَّعبير: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، والرسولُ لم يأتِ إلا لخيرهم، إلا لمصلحتهم، إلا لهدايتهم، إلا للأخذ بأيديهم إلى سعادة الآخرة والأولى، ومع هذا كانوا به يستهزؤون: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، وكلمة {كَانُوا} تدلُّ على شأنهم، كأنَّ هذا سجيَّة وطبيعة لهم، فلم يستهزؤوا به مرةً أو مرَّتين، {كَانُوا}، ممَّا يدلُّ على أنَّ الاستهزاء طبعهم، وكلمة {يَسْتَهْزِئُونَ}، فعل المضارع يدلُّ على التكرار والتَّجدُّد، فهم دائمو الاستهزاء بكلِّ رسول يأتيهم من عند الله.

{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ}[1]

مرجع الضمير في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ}:

{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} الضمير عائد إلى أيِّ كلمة؟ هل هو عائد إلى {الذِّكْرُ}، يعني كذلك نَسْلك القرآن في قلوب المجرمين، يسمعون ألفاظَهُ وحروفه، ولكنه لا يدخل في قلوبهم.

وكلمة (سلك) أى: أدخل شيئا في شيء آخر، كان هؤلاء يسمعون القرآن، ولكن لا يسمعون بعقولهم وقلوبهم، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26].

بعض المُفسِّرين قالوا: كذلك نَسْلُكُه، أى: نَسْلُك الاستهزاءَ والتَّكذيبَ والكفرَ في قلوب المجرمين؛ ليُسجِّل عليهم صفةَ الإجرام، {الْمُجْرِمِينَ} ، أي: الذين يعرفون الحقَّ، ولا يؤمنون به، ويجحدونه، يقترفون جريمة كبرى[2].

{لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ}[3]

سُنَّة الله في الأَّولين:

{سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ}، أي: هم على شاكلة مَنْ كان قبلهم من الأمم، الذين أُرسلت إليهم الرسل فكذَّبوهم، كذَّبت عادٌ وثمود وأقوام نوح ولوط وشُعيب، إلى آخر الأنبياء، هؤلاء المكذِّبون هذه سُنَّتهم، {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ}؛ لأنهم إذا وقفوا هذا الموقف الذي يُعاند الحقَّ، ويستهزىء به، فيكفر به، ويصدُّ عنه، فإنَّ الله يُنزل بهم عقوبته.

هذه سُنَّةٌ من سُنَنَ الله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137]، كيف دمَّر الله عليهم؟ هكذا رأينا تدمير الله لهؤلاء الأقوام، أَخَذَهُمْ أَخْذَ عزيز مُقْتَدِرْ، ونجَّى الرسل ومَن معَهم من المؤمنين، كما نَجَّى سيدنا نوحًا عليه السلام وهودًا وصالحًا وشعيبًا وَلُوطًا والمؤمنين معه[4].

{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}

عِنَاد كفَّار قريش وإصرارهم على الكفر وإنكارهم كلَّ آية:

حدَّثنا القرآن عن عِناد هؤلاء القوم من كفَّار قريش، عن مُكابرتهم الغليظة، اللهُ تعالى يقول: إنِّهم أرادو نزول الملائكة لكي يؤمنوا، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام:111].

{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ}، أي: هيَّأنا لهم سبيلاً، ومكنَّاهم من الصُّعود فيه، {فَظَلُّوا} استمرُّوا في زمنٍ مديد، {فِيهِ يَعْرُجُونَ} أي: يصعدون، والعروج: الارتفاع والصُّعود، ومنه المعراج النبوي، والمراد أنهم:  يعرجون في هذا الباب المفتوح إلى السماء.

وكلمة {فَظَلُّوا}، أي: بالنَّهار، أي: بوضوح النهار[5]، {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}، أي: يصعدون في ملكوت السماء والفضاء يَرَوْنَ ما فيه من العجائب، تحقيقًا لصدق الرسالة: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ[6] أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}، أي: رغم هذه الآية الواضحة، لو فتحنا عليهم بابًا من السماء عَرَجُوا فيه، حتى وصلوا إلى السماء، لقالوا: إنما {سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}، أي: غُطَّت أبصارنا أو مُنِعَت. وكلُّ هذه معاني متقاربة.

{لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}، أي: نحن لم نَرَ الأشياء رؤيةً حقيقية، {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}[7]، أي: أنَّ محمدًا سَحَرنا، وجعلنا نَظُنُّ أننا عَرَجنا إلى السماء وما عرجنا، قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام:7]، أي: لو نَزَل علينا كتاب من السماء نقرؤه، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}، وما قال: رأوه بأعينهم، {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}، فالعَنَاء هو العَنَاء، والمكابرة هي المكابرة، فليس عندهم علة ولا عذر سوى الباطل، فالحقُّ واضح مثل فلق النهار، ولكن لا يؤمنون.

[1] - نسلكه: ندخله كما يدخل الخيط في الإبرة. والسلوك في شيء: هو الدخول فيه.

[2] - والراجح أن الضمير عائد على "رسول" من آية: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} والمعنى: مثل ذلك الدخول الذي دخله كل رسول سابق في قلوب مجرمي قومه، فقابلوا دعوته بالكفر والاستهزاء، نسلك رسولنا الخاتم في قلوب سائر المجرمين، فيكذبونه ويجحدون نبوته ورسالته، ويستهزؤون به، مهما قدم لهم من آيات صدق ودلائل نبوته.

[3] - أي: لا يؤمنون بالذكر الذى أُنزل إليهم، والرسول الذي أرسل إليهم، وقد خَلَت سُنَّة الأوَّلِّين: تقدَّمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء، ومضت سنته سبحانه في تعذيبهم وإهلاكهم، وسنته في نصر رسله والذين آمنوا بهم واتبعوهم. وفي هذا تسليةٌ وطمأنة ووعد بالنصر والتأييد للرسول صلى الله عليه وسلم وللذين آمنوا به واتبعوه.

[4] - وسنة الله  التي خلت في الأولين سنة ثابتة، لأنها مطابقة لإختياره الحكيم، فما أجراه – جلَّ جلاله – في الأوَّلين يُجري نظيره في الآخرين (ولن تجد لسنة الله تبديلاً. ولن تجد لسنته تحويلاً)

[5] - أي: صاروا يعرجون فيه طوال نهارهم على توالي الدقائق والآناء. فلا يقال: ظلَّ يفعل كذا إلا إذا كان يفعله في النهار. واختير فعل (ظل) هنا للدلالة على وضوح مشاهدم لما يمرون به من آيات الله في حالة الارتفاع والصعود، لأن النهار كاشف بضوئه للأشياء.

[6] - قرأ ابن كثير: (سُكِرَت) بتخفيف الكاف، أي: حُبست ومُنعت النظر، وقرأ الباقون: بكسر الكاف مع التشديد أي: سُدَّت، ويحتمل أن يكون مشتقًا من السكر، فيكون معناه: أُجبرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السُّكر وهو السد، فيكون معناه: منعت أبصارنا من النظر بسبب السحر.

[7] - حين تبهرهم المشاهد المدهشة يستدركون فيقولون: {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} أي: مخدوعون بتخييلات لا حقيقة لها، وصُرفت حواسنا وفكرنا عن إدراك الواقع.


http://www.qaradawi.net/component/content/article/5099.html

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.