Masuk

قيام ليالي رمضان وصلاة التراويح

Yusuf Qardhawi. http://www.spirit21.co.uk Yusuf Qardhawi.

فرض الله تعالى صيام أيام رمضان، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام لياليه. عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان-435).

ومعنى (إيمانًا): أي تصديقًا بوعد الله تعالى، ومعنى (احتسابًا): أي طلبًا لوجه الله تعالى وثوابه.

ومن صلى التراويح كما ينبغي فقد قام رمضان.

والتراويح هي تلك الصلاة المأثورة التي يؤديها المسلمون جماعة في المسجد، بعد صلاة العشاء.

وقد سَنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين صلى بأصحابه ليلتين، أو ثلاثًا ثم تركها خشية أن تفرض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فصلاها الصحابة فرادى، حتى جمعهم عمر على الصلاة خلف أبي بن كعب.

فعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة (أي من رمضان) من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلُّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله.. حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس فتشهد ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يخف علّي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان-436).

وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، أي يصلون فرادى، وكذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر.

روى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يعنى آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله (رواه البخاري في كتاب التراويح).

وقول عمر: (نعمت البدعة هذه) لا يعني بها (البدعة الدينية) التي يراد بها استحداث أمر في الدين لايندرج تحت أصل شرعي، إنما يراد بها المعنى اللغوي للبدعة، باعتبار أنها أمر لم يكن في عهده، ولا عهد أبي بكر من قبل.

ولكنه وافق الهدي النبوي، حيث قرر النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة أصحابه وراءه ثلاث ليال في المسجد، ولولا خشية افتراضها عليهم وعجزهم عنها، لاستمر في الصلاة بهم، وقد زالت هذه الخشية، بإكمال الدين وانقطاع الوحي، واستقرار الشرع، وكان عمر مسددًا في عمله هذا، لما فيه من مظهر الوحدة، واجتماع الكلمة ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين، ولا سيما إذا كان حسن القراءة.

ولهذا ذهب الجمهور إلى سنية صلاة التراويح في الجماعة، بل ذهب الطحاوي من الحنفية إلى وجوبها على الكفاية (فتح الباري 156/5 ط. الحلبي).

ومن قال من العلماء قديمًا بأن الصلاة في البيوت أفضل، فهذا فيمن كان يصلي لنفسه ويطيل كثيرًا، ولا يجد صلاة جماعة تشبع نهمه.

أما إذا وجد هذه الجماعة، فالأولى أن يصلي مع المسلمين، ليكثر جماعتهم وليقوى بهم، ويقووا به.

ولذا قال بعض الشافعية: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد، بتخلفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل (المصدر السابق).

ومثل ذلك ما يقال في شأن صلاة التراويح للنساء، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، فهذا لو كن يحفظن القرآن، ولا يكسلن عن الصلاة إذا جلسن في البيت.

ولكن المُشاهد أن المرأة إذا لم تذهب إلى المسجد فهيهات أن تصلي، ولو صلت فستكون صلاة كنقر الديكة. على أنها في المسجد تسمع القرآن، والموعظة الحسنة، وتلتقي بالمسلمات الصالحات، فيتعاون على البر والتقوى، وفي هذا خير كثير.

ولم تذكر رواية البخاري عدد الركعات التي كان يصلى بها أبي بن كعب، وقد اختلف في ذلك ما بين إحدى عشرة، وثلاث عشرة، وإحدى وعشرين. أي مع الوتر قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.

وقد ورد أنهم كانوا يقرأون بالسور الطوال، ويقومون على العصي من طول القيام.

وفي إمارة عمر بن عبد العزيز بالمدينة، كانوا يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث.

قال مالك: وهو الأمر القديم عندنا.

وقال الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وفي مكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق.

وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود (أي عدد الركعات) فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة، فحسن، والأول أحب إليَّ.

وصلى بعض السلف أربعين غير الوتر (انظر في هذا كله: فتح الباري -157/5 ط. الحلبي).

ولا تضييق في ذلك كما قال الإمام الشافعي، ولا ينبغي أن ينكر بعض الناس على بعض في ذلك، مادامت الصلاة تأخذ حقها من الطمأنينة والخشوع.

فمن صلى بإحدى عشرة، فقد اهتدى بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره، على إحدى عشرة ركعة (رواه البخاري وغيره).

وعن جابر: أنه عليه الصلاة والسلام - صلى بهم ثماني ركعات، ثم أوتر أي بثلاث.

ومن صلى بثلاث وعشرين، فله أسوة بما كان في عهد عمر، كما رواه غير واحد، وقد أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.

ومن صلى بتسع وثلاثين أو إحدى وأربعين، فله أسوة بما كان عليه العمل في المدينة في خير قرون الأمة، وقد شاهده إمام دار الهجرة، وقال: وعلى هذا العمل من بضع ومائة سنة.

والصلاة خير موضوع، ولم يرد تحديد العدد في رمضان - ولا في غيره بمقدار معين.فلا معني لإنكار بعض العلماء المعاصرين على من صلى عشرين أنه خالف السنة، والهدي النبوي، أو من صلى ثمانيا أنه خالف المأثور عن سلف الأمة وخلفها.

وإن كان الأحب إليَّ هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يرضى له إلا الأفضل، وذلك (إحدى عشرة ركعة) بالوتر مع تطويل القراءة والصلاة.

والذي يجب إنكاره من الجميع تلك الصلاة التي تُؤدَّى في بعض مساجد المسلمين وكأنما يلهب ظهورهم سوط يسوقهم إلى الفراغ منها وهى (20 ركعة) في أقل من ثلث ساعة!! والله تعالى يقول: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون: 1،2).

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمات جامعة نافعة في بيان مشروعية صلاة التراويح بأي من الأعداد المروية فيها، قال رضي الله عنه:

(ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في رمضان، ويوتر بثلاث فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة، لأنه قام بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر.

واستحب آخرون تسعًا وثلاثين ركعة، بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم.

وقالت طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطربوا في الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين.

والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما نصَّ على ذلك الإمام أحمد، وأنه لا يوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيه عددًا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يطيل القيام بالليل، حتى قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة: أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات.

وأبي بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة، لم يمكن أن يطيل بهم القيام فكثر الركعات، ليكون ذلك عوضًا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام، فكثروا الركعات، حتى بلغت تسعًا وثلاثين).

أما أي هذه الأعداد أفضل؟ فقد قال شيخ الإسلام:

(ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين و أوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ فكيفما قام بهم في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.

والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره، فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين أفضل فهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشرين وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يزاد ولا ينقص منه فقد أخطأ) أ.هـ..

http://www.qaradawi.net/new/articles/7378-2014-07-09-08-45-16

Berikan komentar

Pastikan Anda memasukkan informasi yang diwajibkan (*). Dilarang menggunakan kode HTML.